علوم

ماذا يحدث لجسم الإنسان في الفضاء؟

📅 14 سبتمبر 2026 ⏱ 9 دقائق قراءة 👥 فريق العداد

الجسم البشري تطور على مدى ملايين السنين في بيئة محددة جداً: جاذبية ثابتة، ضغط جوي معتدل، دورة نهار وليل منتظمة. خذه خارج هذه البيئة — إلى الفضاء — ويبدأ جسمك بالتكيف بطرق مذهلة وأحياناً مقلقة.

رواد الفضاء الذين قضوا شهوراً في محطة الفضاء الدولية يعودون بأجسام تختلف عما غادروا به. إليك الصورة الكاملة.

الساعات الأولى: الجسم يصطدم بالفضاء

بمجرد الوصول لمدار حر، يبدأ الجسم بالتغير فوراً:

  • وجه منتفخ وأرجل نحيفة: على الأرض، الجاذبية تسحب الدم للأسفل. في الفضاء، يتوزع الدم بالتساوي — فيتجمع نحو 2 لتر إضافي في الصدر والرأس، مما يُعطي رواد الفضاء وجهاً انتفاخياً مميزاً.
  • غثيان الفضاء: 70% من رواد الفضاء يعانون من غثيان شديد في الأيام الأولى — الجهاز الدهليزي في الأذن الداخلية يفقد توازنه دون جاذبية واضحة.
  • احتقان الأنف: ضغط الدم في الرأس يُسبب احتقاناً دائماً، كأنهم مصابون بزكام مستمر طوال رحلتهم.
💡 لماذا لا يشعر رائد الفضاء بالسقوط؟ في المحطة الفضائية، الجاذبية لا تزال موجودة (حوالي 90% من قوتها على الأرض). لكن المحطة والرائد يسقطان معاً حول الأرض — مما يُلغي الإحساس بالجاذبية (انعدام الوزن الظاهري).

العضلات والعظام: الضمور السريع

الجسم كفؤ للغاية — إذا لم يحتج شيئاً، يتخلص منه. في الفضاء، العضلات والعظام لا تحمل وزناً ولا تقاوم جاذبية، فيبدأ الجسم بـ"تفكيكها".

💪

ضمور العضلات

الجسم يفقد حوالي 20% من كتلته العضلية في رحلة 6 أشهر إذا لم يُمارَس الرياضة.

على الأرضيحمل وزنه
في الفضاءلا جهد = ضمور
🦴

هشاشة العظام

العظام تفقد كثافتها بمعدل 1-2% شهرياً — ما يعادل ما تخسره شخص مصاب بهشاشة العظام في سنة كاملة.

على الأرضضغط = كثافة
في الفضاءلا ضغط = ترقق

لهذا يُلزَم رواد الفضاء بممارسة الرياضة ساعتين يومياً على دراجات مقاومة وأجهزة شد خاصة — وهو نظام مرهق لكنه حيوي.

القلب والدورة الدموية

على الأرض، القلب يعمل بجد ليضخ الدم إلى أعلى ضد الجاذبية. في الفضاء، هذا الجهد يختفي — فيبدأ القلب بـ"الاسترخاء".

  • تصغّر القلب: بعد 6 أشهر في الفضاء، يصغر القلب ويصبح أكثر كروية — ظاهرة مقلقة يدرسها علماء ناسا بجدية.
  • انخفاض ضغط الدم: الجسم يُفرز كميات أقل من بعض الهرمونات الضاغطة، مما يخفض الضغط.
  • بطء ضربات القلب: بعد التكيف، معدل ضربات القلب ينخفض لأنه لا يحتاج نفس الجهد.

الرؤية وضغط الدماغ: المفاجأة غير المتوقعة

واحدة من أكثر المشاكل إثارة للقلق التي اكتشفها العلماء في السنوات الأخيرة: متلازمة انعدام الوزن البصرية والقحفية (SANS).

تجمع الدم في الجزء العلوي من الجسم يُزيد الضغط داخل الجمجمة، مما:

  • يُفلطح كرة العين قليلاً (تصبح أكثر استدارة)
  • يضغط على العصب البصري
  • يُغير شكل الغدة النخامية
  • يُسبب تدهوراً في حدة البصر لدى نحو 70% من رواد الفضاء
⚠ تحدٍّ حقيقي لمهمة المريخ رحلة المريخ ستستغرق 6-9 أشهر ذهاباً. التدهور البصري الحاد في منتصف الرحلة قد يُعيق أداء المهام الدقيقة. هذا أحد أكبر التحديات التي تواجه ناسا حالياً.

الجهاز المناعي: تغيرات غريبة

انعدام الوزن والإشعاع والضغط النفسي يُربك الجهاز المناعي بطرق معقدة:

  • بعض فيروسات كامنة في الجسم (مثل فيروس الهربس) قد تنشط من جديد
  • خلايا T المناعية تُقلل نشاطها
  • استجابات التهابية غير طبيعية
  • في الوقت ذاته، بعض استجابات المناعة تزداد قوة — مما يُعقّد الصورة

النوم والساعة البيولوجية

على الأرض، تشروق الشمس وتغرب مرة كل 24 ساعة. في محطة الفضاء الدولية؟ الشمس تشرق وتغرب كل 90 دقيقة — 16 مرة يومياً!

هذا يُدمّر الساعة البيولوجية تماماً. رواد الفضاء يُعتمدون على:

  • جداول نوم صارمة محددة بالدقيقة
  • إضاءة صناعية تُحاكي دورة طبيعية
  • أقنعة نوم وسدادات أذن في بيئة محطة دائمة الضوضاء
  • أدوية مساعدة على النوم عند الحاجة

الإشعاع: الخطر الصامت

الغلاف المغناطيسي للأرض يحمينا من معظم الإشعاعات الكونية. خارجه، يتعرض رائد الفضاء لجرعة إشعاعية تعادل إجراء 150-6000 صورة أشعة سينية سنوياً — حسب الموقع ومستوى النشاط الشمسي.

الموقعالجرعة السنويةمقارنة بالأرض
على سطح الأرض~3 mSvالمرجع
طيار طيران تجاري~5 mSv1.7×
محطة فضاء دولية~150 mSv50×
رحلة للمريخ (ذهاباً)~300 mSv100×
سطح المريخ (سنة)~230 mSv77×

الإشعاع يرفع خطر الإصابة بالسرطان، ويمكن أن يُتلف الحمض النووي ويؤثر على الجهاز العصبي في الرحلات الطويلة.

تغيرات في الحمض النووي: قصة التوأمَين

الدراسة الأشهر في تاريخ طب الفضاء: ناسا أرسلت رائد الفضاء سكوت كيلي لقضاء سنة في محطة الفضاء الدولية، بينما بقي توأمه مارك على الأرض كمجموعة مقارنة.

النتائج المذهلة بعد عودة سكوت:

  • طول التيلوميرات (أطراف الكروموسومات المرتبطة بالشيخوخة) زاد أثناء الرحلة ثم عاد بسرعة
  • 7% من جيناته تغير تعبيرها — ولم يعد معظمها لطبيعته بعد 6 أشهر من العودة
  • تغيرات في الميكروبيوم (بكتيريا الأمعاء)
  • تراجع في الوظائف الإدراكية قياساً بتوأمه
"أذهلنا كم كان التغيير واسعاً. الفضاء يُعيد برمجة الجسم بطرق لم نتخيلها." — الدكتورة سوزان بيلي، ناسا

العودة للأرض: التعافي يستغرق أشهراً

اللحظة الأولى
الأرض تبدو ثقيلة جداً

رائد الفضاء يشعر أن وزن رأسه لا يُطاق. المشي مهمة صعبة. كثيرون يُنقلون على كراسي متحركة فور الهبوط.

أول 24 ساعة
الجهاز الدهليزي يُعاد معايرته

الدوخة والغثيان مجدداً — لكن هذه المرة الجسم يعيد تعلم ماذا يعني "أعلى" و"أسفل".

أسبوعان
عودة القلب والدورة الدموية

القلب يعود لحجمه الطبيعي، ضغط الدم يستقر، الجسم يُعيد توزيع السوائل.

شهران
العضلات تعود تدريجياً

مع برنامج تأهيل مكثف، العضلات تستعيد قوتها. لكن العظام تحتاج وقتاً أطول.

6-12 شهر
العظام والجهاز العصبي

الكثافة العظمية تعود بشكل شبه كامل. الرؤية ترتد إلى طبيعتها تدريجياً. بعض التغيرات الجينية تظل.

تحديات رحلة المريخ

مهمة المريخ تعني سنتين ونصف على الأقل خارج الأرض — ذلك يُضاعف كل التحديات المذكورة. العلماء يعملون على:

  • الجاذبية الاصطناعية: دوران المركبة لإنتاج جاذبية تحاكي الأرض
  • دروع الإشعاع: مواد جديدة تُخفف جرعة الإشعاع بشكل كبير
  • الدواء الوقائي للعظام: أدوية تُبطئ فقدان الكثافة العظمية
  • الغذاء المحسّن: مكملات غذائية ومضادات أكسدة تُحارب تأثيرات الإشعاع
  • حلول SANS: أجهزة ضغط سلبي على الجزء السفلي من الجسم لسحب الدم للأسفل
💡 رسالة إيجابية رغم كل هذه التحديات، البشر يواصلون العيش في الفضاء منذ عام 2000 م دون انقطاع. الجسم البشري أكثر قدرة على التكيف مما تخيلنا — ومع تطور الطب والتقنية، رحلة المريخ باتت أقرب من أي وقت.
🚀

فريق العداد

محتوى علمي متخصص في الفضاء وعلم الأحياء وطب الفضاء • 14 سبتمبر 2026